المقريزي

216

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

المجرّد فيها مستريح من جهة رخص الخبز وكثرته ، ووجود السماعات ، والفرج في ظواهرها ودواخلها ، وقلة الاعتراض عليه ، فيما تذهب إليه نفسه يحكم فيها كيف شاء من رقص في السوق أو تجريد ، أو سكر من حشيشة أو غيرها أو صحبة المردان ، وما أشبه ذلك بخلاف غيرها من بلاد المغرب ، وسائر الفقراء لا يعترضون بالقبض للأسطول إلّا المغاربة ، فذلك وقف عليهم لمعرفتهم بمعاناة البحر ، فقد عمّ ذلك من يعرف معاناة البحر منهم ، ومن لا يعرف ، وهم في القدوم عليها بين حالين إن كان المغربيّ غنيا طولب بالزكاة ، وضيقت عليه أنفاسه حتى يفرّ منها ، وإن كان مجرّدا فقيرا حمل إلى السجن حتى يجيء وقت الأسطول ، وفي القاهرة أزاهير كثيرة غير منقطعة الاتصال ، وهذا الشأن في الديار المصرية تفضل به كثيرا من البلاد ، وفي اجتماع النرجس والورد فيها أقول : من فضل النرجس وهو الذي * يرضى بحكم الورد إذ يرأس أما ترى الورد غدا قاعدا * وقام في خدمته النرجس وأكثر ما فيها من الثمرات والفواكه : الرمان والموز والتفاح ، وأما الإجاص فقليل غال ، وكذلك الخوخ ، وفيها الورد والنرجس والنسرين واللينوفر والبنفسج والياسمين والليمون الأخضر والأصفر ، وأما العنب والتين فقيل غال ولكثرة ما يعصرون العنب في أرياف النيل لا يصل منه إلا القليل ، ومع هذا فشراؤه عندهم في نهاية الغلاء ، وعامّتها يشربون المزر الأبيض المتخذ من القمح ، حتى أن القمح يطلع عندهم سعره بسببه ، فينادي المنادي من قبل الوالي بقطعه ، وكسر أوانيه ، ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ، ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ، ولا تبرّج النساء العواهر ، ولا غير ذلك مما ينكر في غيرها من بلاد المغرب ، وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر ، ومعظم عمارته فيما يلي القاهرة ، فرأيت فيه من ذلك العجائب ، وربما وقع فيه قتل بسبب السكر ، فيمنع فيه الشرب ، وذلك في بعض الأحيان ، وهو ضيق عليه في الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم الطرب والتهكم ، والمخالفة حتى إنّ المحتشمين والرؤساء لا يجيزون العبور به في مركب ، وللسرج في جانبيه الليل منظر فتان ، وكثيرا ما يتفرّج فيه أهل الستر بالليل ، وفي ذلك أقول : لا تركبن في خليج مصر * إلا إذا أسدل الظلام فقد علمت الذي عليه * من عالم كلهم طغام صفان للحرب قد أظلا * سلاح ما بينهم كلام يا سيدي لا تسر إليه * إلا إذا هوّم النيام والليل ستر على التصابي * عليه من فضله لثام والسرج قد بدّدت عليه * منها دنانير لا ترام وهو قد امتدّ والمباني * عليه في خدمة قيام للّه كم دوحة جنينا * هناك أثمارها الآثام